السبت، 3 مايو 2014

المخطوطات .. عقل العرب المكتوب

                                                     


-               مخطوطات أمهات الكتب.. عندما تكلم العلم بالعربية

-               القرآن الكريم أول مخطوط عربى وشواهد على كتابة السنة النبوية

-               جهاز ألمانى يحلل الأنسجة الورقية لمعرفة زمن كتابة المخطوطات

-               أبو حيان التوحيدى واسماعيل الجوهرى وياقوت الحموى أشهر "نساخ" المخطوطات

-               السيوطى يشكو من سرقة كتبه.. والجاحظ تنسب له مؤلفات لم يكتبها

-               دار الكتب والوثائق بها أكثر من 100 ألف مخطوط

-                70  ألف مخطوط مصور يقدمها معهد المخطوطات العربية للباحثين

 

كتبت : زينب حسن

ميراث ضخم تركه مفكرو العرب من عصر إلى عصر، بعلوم متنوعة وفنون متفردة، رمى فيها العقل العربى الإسلامى بثقله فى الحضارة الإنسانية، وأبدع لنفسه آفاقا لم يصل لمثله أحد من شعوب الأرض، تاركا ثروة علمية ومعرفية لكل باحث عن الحقيقة والإبداع.. ولعل مخطوطات العرب خير مثال على تلك الثروة التى  ينهل من جواهرها الثمينة كافة المراكز والمعاهد العربية والإسلامية والعالمية، كأحد مواطن تميزها وتباهيها بقدر ما تحتفظ من أصول خطها رواد العرب بأياديهم فى مختلف المجالات..

فما هو المخطوط؟

المعنى الاصطلاحى للمخطوط هو الكتاب الذى يحتوى على مادة علمية وخط باليد، وهو مرحلة الانتقال من التاريخ الشفاهى الذى اعتاد العرب به تناقل سيرهم إلى مرحلة الكتابة والتدوين، وحتى ما قيل على المعلقات التى كان يكتبها شعراء العرب ويعلقونها على الكعبة لم يثبت أنه تم تدوينها بشكل كتابى بل تم تناقلها عبر ألسنة من يحفظونها.

ويؤكد علم المخطوطات كما يخبرنا الدكتور أحمد عبد الباسط الباحث بمعهد المخطوطات العربية، أن أول نص عربى مكتوب هو القرآن الكريم، وبدأت قصة جمعه فى عهد أبو بكر الصديق، وكتب فى البداية على عصب النخيل، ثم (اللخاف) وهو العظام الأبيض للجمال، إلى أن كتب على (الرقوق – جمع رق) أى ما رقق من الجلود للكتابة عليه، ويقال أن هناك أربعة مصاحف منسوبة لعهد الخليفة عثمان بن عفان تم توزيعها على الأمصار الأربعة يوجد نسخة منه فى دار الكتب المصرية ونسخة فى دار الأوقاف بالسيدة زينب ونسخة فى طشقند.

ويرجح  أن السنة النبوية خطت أيضا خلافا لما هو سائد عن الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله "لا تكتبوا عنى غير القرآن"، وما يدلل على ذلك حديثه المنقول فى صحيح البخارى، بأنه عند فتح مكة خطب خطبة وطلب منه رجل يمنى يدعى "أبو شاه" بكتابة الخطبة ليرجع إلى أهله ويرويها لهم، فرد الرسول "اكتبوا لأبى شاه"، وهو ما يعنى أن السيرة النبوية تم كتاتبتها.

فى العصر العباسى عرف العرب ورق "الكاغد" وهو ورق صنعه الصينيون من لباب الشجر، ويتميز بأنه غير قابل للمحو ورخيص الثمن فلقى رواجا شديدا واستخدم فى الكتابة بدلا من الأنواع التى كانت معروفة وهى "البردى" و"القباطى" نسبة إلى القبط ، وكانت تصنع فى مصر فقط وثمنها مرتفعا، كما أنها أفضل من الرق الذى كان قابل للمحو وبالتالى قابل للتزييف ورائحته تتغير.

ومن المعروف كما يستطرد الدكتور أحمد عبدالباسط أن كل العلوم والمؤلفات العربية صدرت فى البداية لخدمة مصدرى التشريع (الكتاب والسنة)، وبعد أن ظهرت العلوم المنبثقة منها كعلوم الحديث والفقه واللغة وكتب التراجم والتاريخ، وانتعاش حركة الترجمة فى عهد يزيد بن معاوية، لم يكتف العقل العربى المبدع بطبيعته بنقل المعلومة بل تفكرها وتأملها، فأنتج ما يعرف بكتب "الشكوك" وهى مرحلة ما بعد النقل عن فلاسفة وعلماء اليونان، وظهرت كتب "الشكوك على جالينوس" و "الشكوك على بطليموس"  وهو نقد لكتب الفلاسفة الأوائل بالتصحيح والإضافة لما يحويه من معلومات علمية وتاريخية وغيره.

ثم تطورت تلك المرحلة إلى إنتاج أصيل يعبر عن نضج العقل العربى الإسلامى، متمثلا فى إنتاج أمهات الكتب فى مختلف المجالات التاريخية والدينية والعلمية، كما فى كتب عباقرة العرب " الحاوى" لأبو بكر الرازى، و"القانون" فى الطب لابن سينا، وكذلك مؤلفات ابن النفيس وابن الهيثم وغيرها. وهذه فترة يمكن وصفها  بـ"عندما تكلم العلم بالعربية".




تحقيق المخطوطات

مع تنامى واتساع الحضارة العربية الإسلامية أصبح المخطوط وثيقة علمية يتداولها طلاب العلم فى كل الأمصار والمدن، من هنا ظهرت مهنة "النساخ" الذين يقومون بطباعة المؤلف الأصلى سواء من تلاميذ الكاتب أو ممن اشتغلوا بمهنة النسخ التى لاقت رواجا كبيرا، مع ضرورة نسخ أمهات الكتب والمؤلفات العلمية.

ومن أشهر أسماء النساخ العرب محمد بن إسحاق النديم صاحب (الفهرست) والفيلسوف العربى أبا حيّان التوحيدى صاحب (الإمتاع والمؤانسة)، وإسماعيل بن حمّاد الجوهرى صاحب (الصحاح في اللغة)، وقد كان يُضرب به المثل فى حسن الخطّ، وياقوت الحموى صاحب معجمى (الأدباء والبلدان).

لكن عملية النسخ ارتبطت بإشكالية مهمة وهى مدى مقاربة النسخة بالمخطوط الأصلى، ومن هنا ظهر "علم تحقيق النصوص"، أى المنهجية التى يتبعها الباحثون لإثبات صحة المخطوط، ولهذا قواعد ثابتة، أهمها مدى صحة العنوان واسم المؤلف ونسبة الكتاب إليه، وأن مضمونه هو أقرب صورة لما أراده مؤلفه الأصلى.

لذلك عملية التحقيق يكون هدفها الوصول للمخطوط الأصلى، لكن نظرا لوجود نسخ خطية قد تصل مع بعض المؤلفات إلى 30 نسخة، فيعتمد الباحث لتحقيق مخطوط على ما يعرف بـ "منازل النسخ" أى البحث والتدقيق فى أقرب نسخة تقارب المنتج الأصلى وتكون بعيدة عن التحريف أو التزييف.

وتعتمد عملية تحقيق المخطوط  بحسب الدكتور أحمد عبدالباسط على عدة إجراءات يتم فيها جمع  أكبر عدد من النسخ ومقارنتها  للوصول إلى الصيغة المثلى لما تحتويه النسخة الأم، بدءا من العنوان ومرورا بالمضمون حتى الخاتمة، لإثبات الفروق بين النسخ، من علامات الترقيم والصيغ والاختصارات، وهى خطوات معروفة لدى العرب منذ علماء الحديث الأوائل مثل ابن الصلاح .

واللافت أن العرب تعرفوا على علم تحقيق النصوص نقلا عن المستشرقين، وكان صاحب أول تجربة معروفة فى ذلك الأمر المستشرق الألمانى "برجشتراسر" حين ألقى محاضرات فى جامعة فؤاد الأول بعنوان (أصول نقد النصوص)، وتعد بمثابة المرجعية فى هذا الأمر، لكن أول من أطلق كلمة تحقيق على عمله هو أحمد ذكى باشا فيما أنتجه من تحقيقات مثل "أنساب الخيل" و"الأصنام".

من هنا فالباحث فى علم التحقيق يبذل جهدا مضنيا لاستكمال عمله، بعيدا عما يعرف بالتحقيق الشعبى الذى لا يبذل فيه مجهود، ويقع فى الكثير من الأخطاء لعدم استيفاءه الشروط العلمية من جهة، ولأن هناك عمليات تزييف عديدة تمت مع القيام بنسخ المخطوطات الأصلية من جهة أخرى، وتذكر لنا الكتب حكايات عن وقائع تزييف قام بها البعض حبا فى الشهرة، واشتكى كثير من العُلماء مِن سرقةِ كتبهم ونسبتها إلى غيرهم، ومنهم السيوطى الذى ألف كتابا بعنوان (الفارق بين المصنف والسارق) يشكو فيه من سرقة كتبه وانتحالها.

ويذكر العلامة المؤرخ عبد السلام هارون وأحد أشهر المحققين فى القرن العشرين عن كتاب (تنبيه الملوك والمكايد) المنسوبُ خطأً إلى الجاحظ (المتوفى فى 255هـ)، ويوجد صورة منه فى دار الكتب المصرية، تحت رقم (2345 أدب)، أن أحد أبوابه جاءت بعنوان (نكت من مكايد كافور الإخشيدى)، وكافور الإخشيدى كان يحيا بين عامى 292هـ و 357هـ، أى بعد وفاة الجاحظ بعشرات السنين.

 

ولكن هناك أجهزة حديثة لتحقيق المخطوطات والكشف عن صحتها وأصوليتها مثل جهاز الكربون 14، كما يوجد جهاز فى ألمانيا يقوم بتحليل الأنسجة الورقية للمخطوط، ويحدد الفترة الزمنية لكتابته، ولكن لم يتم تعميمه لأنه يستلزم قطع جزء من ورق المخطوط وهذا بالطبع يضر به ويقلل من قيمته.

نظرة طموحة

مما سبق يتبين أهمية علم تحقيق المخطوطات كجزء أصيل فى عملية إحياء التراث العربى الإسلامى، بعدما تفرقت به السبل وضرورة الاهتمام  بنشر الأعمال المحققة، والتى تتكلف جهدا ومالا كبيرا فقد تصل تكلفة تصوير المخطوط للآلاف خاصة إذا كان يحتوى مجلدات كثيرة، فتصوير الصفحة الواحدة تصل إلى دولار أمريكى فى المكتبات الكبرى.

من هنا تأتى أهمية الدور الذى تقوم به دار الوثائق القومية التى تقدم خدمات جليلة للباحثين فى علم تحقيق المخطوطات من خلال ما تضمه من أصول لأهم المخطوطات العربية ونسخها، كما أنها  تشرف علميا وتتكلف ماديا جهد لعدد كبير من الباحثين، ويضم متحف المخطوطات بها كنزا ضخما، يحوى أكثر من 100 ألف مخطوط، من أشهرها أصل مخطوط  "الكواكب الدرية فى مدح خير البرية" وهو نسخة أثرية من قصيدة البردة للبوصيرى، بخط شيخ الخطاطين فى العصر المملوكى، وهى وقف السلطان الأشرف برسباى عام 804 هـ.. ويوجد بها أيضا مخطوط "تقريب التهذيب" لابن حجر العسقلانى وهو شرح لصحيح البخارى.

وفى ذات السياق يقدم معهد المخطوطات التابع للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم خدمة عالية لباحثى تحقيق المخطوطات والتراث العربى الإسلامى، حيث يهتم بجمع ونشر مصورات المخطوطات ويجمعها من كافة المكتبات والمراكز والمؤسسات العالمية، ووصلت حتى الآن إلى ما يفوق 70 ألف مصور من المخطوطات، ويضمها فى فهارس مجموعة رقميا.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تم النشر فى جريدة التحرير مايو 2014

الخميس، 24 أبريل 2014

عم صمويل




أجرى.. ألهث.. أختبئ، فينتصب معتدلا فوق كرسيه، حتى لا يرانى أصحابى، الباحثون عنى ونحن نلعب "الاستغماية"..

عيناه لا تلبث أن تتبع خطواتهم وهم يفتشون فى أرجاء المكان، فيكتم ابتسامته إذا ما اقترب أحدهم، فإذا ما فررت ووصلت إلى نقطة بدء اللعبة، يعود إلى استرخائه، مزهوا بنجاحه فى تنفيذ خطتنا التى لم نتفق عليها..

عندما يبدأ اللعب من جديد، يعود إلى جلسته المستقيمة، وسرعان ما ينتبه أصحابى إليه، فيهرعون خلفه للإمساك بى، فلا يجدوننى، حينها تعلو ضحكته الصافية، وتنشرح قسمات وجهه النحيف المسكونة بروح الطفولة.

فى الساحة الكبيرة أمام مخزن الخشب الذى يمتلكه، اعتاد "عم صمويل" أن يجلس على كرسيه المصنوع من الأرابيسك والصدف، ورغم أن المخزن بداخله مكتب مجهز، به جهاز التكييف الوحيد الذى ورد على شارعنا، إلا أنه كان يفضل هذا المكان، ملتحما مع جيرانه وأصدقائه أصحاب المحلات الأخرى، ليحمل كل منهم كرسيه ويلتفون حوله فى جلسات سمر لا تفارقها القفشات والضحكات.

حين كان يسافر فى المناسبات إلى قريته بالصعيد فى مدينة جرجا، كنا نشعر أن الشارع افتقد أحد معالمه الهامة، ويكفى أن لعبتنا المفضلة، باتت منقوصة بدون موطن اختبائنا المميز، وضحكاته التى كانت تشبع روح اللهو فينا.

عودته كانت تعوضنا بالكثير، فها هى اللعبة ستكتمل، ومعها تأتى خيرات الصعيد من الجبن والعيش الشمسى والفطير الذى كان لكل من فى الشارع نصيب فيه، بما يوزعه بنفسه، أو من كان يشترك على مائدته بالمخزن دون دعوة.

أتذكر مشهد العربات الكبيرة المحملة بالأخشاب حين تقف فى ساحة لعبنا، كنا نسارع إلى المشاركة فى حملها مع العمال إلى داخل المخزن، ورغم أن "عم صمويل" كان يثنينا عن ذلك خوفا علينا، إلا أننا لم نكن نستجيب.. الآن أعرف أننا لم نكن نفعل ذلك لإخلاء ساحة اللعب، بقدر ما كنا نرغب فى إسعاده، كما اعتاد أن يسعدنا. 

الله يرحمك يا "عم صمويل" ويرحم أيامك!

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 
نشر فى جريدة الكرامة 2013

الخميس، 13 مارس 2014

النخيل يعود إلى الجنة




اجمع أوراقك يا فتى، وقف بشموخ على باب الجنة..

أشر على ما تشاء، ووزع ابتساماتك على الغرباء، فقد حانت ساعة اللقاء، وآن للنخل الذى خرج مع أدم أن يعود إلى حيث كان..
وحين تمر على الخليل فى سدرة المنتهى، اذكرنا فى عيون الأطفال من حوله، فقد أضحينا من بعدك يتامى..
وحين تشرب ماء الكوثر من كف الحبيب المصطفى، ادعو لنا الله أن يهبنا القدرة على تحمل عطش فراقك..
أراك الآن بين الأحبة.. أبطالك المجاهدون هبوا لاستقبالك فكيف هى وجوه الحسين وجده وأبيه، وهل أهداك صلاح الدين عباءته التى نزل بها القدس أم سيفه فى معركة حطين، وربما رحت تقبل رأس ناصر فوجدته فى حضرة عبدالمنعم رياض والشاذلى ونور الدين..
والله لن أبكيك يا رجل مر على زماننا ليمنحنا أجمل ما فينا، وهل مثلك يا دكتور عزازى تكتبه كلمات الرثاء، نحن نرثى حالنا ونصبر أنفسنا بأننا كنا يوما رفقاء..

لى من بين أوراقك صفحات، أجمعها الآن لا للذكرى فمثلك لا يطويه النسيان، ولكن لأتدثر بها من برد الزمان، الذى اعتاد أن يعاندنى ويخطف من زهور عمرى الواحد تلو الآخر..

الصفحة الأولى
ورقة قديمة شبه ممزقة أخرجها لى حمدى صباحى من محفظته، وراح يقرأ لى تلك القصيدة عن الشهيدتين لطيفة وفتحية، اللتان سقطتا فى معركة التزوير ضد حمدين صباحى ببلطيم أثناء انتخابات برلمان 1995، وبينما يتلو الكلمات انهمرت دموعى من روعة وجلال المشهد الذى لم أحضره، وبصفائه المعهود أهدانى حمدى الورقة، وهو يوصينى بها، لأنها النسخة الوحيدة المكتوبة بخط صاحبها الدكتور عزازى على عزازى، وكانت هذه أول مرة اسمع فيها اسمه فأحببته قبل أن أراه، فمن يكتب بمثل هذه الروح لابد وأنه يحمل قلبا من ذهب. فيما بعد حاول الدكتور عزازى أكثر من مرة استعادة تلك الورقة، لكننى لم أستجب، فكيف لى أن أفرط فى هدية حمدى حتى ولو لصاحبها الأصلى، أمسكها الآن وأشتم بلمسة يديكما عليها رائحة الجنة.

الصفحة الثانية
حادث أول يخطف الصديق الغالى صلاح عزازى وابنه، بينما تخوض الأخت الحبيبة كوكب محسن رحلة علاج شاقة بعد أن نجت من الموت، وينجو أيضا الدكتور عزازى وأسرته، وكانوا جميعا عائدين من قريتهم "أكياد" بالشرقية بعد أن حضروا حفل زفاف أحد الأقارب.. بعد عامين يغيب الموت أبو ابنتى هيا حمدى صباحى فى حادث آخر بالسعودية، ليلحق برفيق عمره صلاح عزازى، يبدو أنهما لم يحتملا الفراق، فجاء لقائهما سريعا.. أولعلهما كانا يجيبان على تساؤل صلاح جاهين: أجمل ولاد الحياة ليه بدرى بيموتوا؟ فى خضام هذه الأجواء توطدت علاقتى بالدكتور عزازى الشقيق الأكبر لصلاح، وكان لحمدى كذلك وللكثير من جيلهما، الذين وجدوا فيه رمزا وقيمة تعبر بصدق عن التجربة الناصرية، ولم يحيد طوال حياته عن مبادئها، ودفع من أجل ذلك تضحيات كبيرة، كان يدرك بشفافيته أنها لن تضيع حتى وإن لم يحصد هو ثمارها، فسيأتى جيل يكمل المسيرة ويحصد تاريخ طويل من النضال والكفاح من أجل حقوق الفقراء، ملح الأرض الذى كان هو أبهى حباته، الفلاح ابن الفلاح الذى ترتسم على وجهه علامات الصمود لثورة حلم بها وعاش يبشر بها، ولم يبخل الله عليه أن يحياها ويشارك فيها، وحين شعر أنها تحيد عن مسارها لم يتردد ولو للحظة فى التخلى عن أحد كراسى سلطتها كمحافظ للشرقية، ولم يرض أن يكون مشاركا فى نظام يرأسه رئيس إخوانى.. أى الرجال كنت يا دكتور عزازى ومن أى زمن جئت؟ الآن لا تحتاج الإجابة لأى اجتهاد..

الصفحة الثالثة
الرجل الذى يعشق أمه لا يمكن أن تخاف منه، تأمنه على روحك وأنت مطمئن، هكذا كان الدكتور عزازى قطعة من قلب أمه التى كان يهفو إليها كطائر سابح فى الملكوت الربانى، لكن كان يحفظ مواسم هجرته إليها، يقبل يديها ويجلس عند قدميها وينعس حين تمرر كفها على رأسه، وحين تمنعه المسئوليات عن الذهاب إليها فى الشرقية، يهاتفها ويظل بالساعات يحادثها فى أمور الدنيا من شرقها وغربها، يستأنس بفطرتها البرئية، ويسترشد بحكمتها، ويظل يغازلها كحبيبة بكلمات العشق والدلع، وفى أكثر من مرة أدعى أننى كشفت سره، فإذا به يعطينى التليفون لأسلم على أمنا الحبيبة –أم صلاح وعزازى- السيدة العفيفة التى كرمها الله بمنزلة الأولياء الصالحين، وابتلاها بفقد اثنين من أولادها وهى صابرة مستبشرة، هذا ما كان يجعله دائم السؤال على أمى التى دخلت فى الاختبار الصعب بعد وفاة أخى وأختى فى شهور قليلة، يوصينى بها ما حييت ويكرر على مسامعى أروع ما يعرف من الأدعية لها ولأمه، منوها دائما بأنهما سيكونا طريقنا إلى الجنة.. والآن تدخل أمه الحبيبة فى مصاب جديد بفقد ابنها البار الأعز والأكرم، فاللهم اسبغ عليها صبرا ورحمة بحق كل القلوب التى تعلقت بخير من أنجبت هى بين النساء.. وطب يا معلمى فى الفردوس.

الصفحة الرابعة
 كمركب تقاذفته الأمواج بين مد وجزر، كانت تجربة جريدة الكرامة التى بقدر ما حملت من آمال وطموحات، عانت إحباطات وعثرات، لكن فى كل الأحوال خرج كل من شارك فيها بأروع تجربة إنسانية يمكن أن يصادفها فى حياته، زملاء عمل ورفقاء نضال وأجيال حالمة، اختلفوا وتنازعوا وتشاجروا، لكنهم ظلوا فى غمرة كل ذلك متمسكون بروح المحبة والمشاركة التى جمعت بينهم ليس على طاولة العمل فقط، بل تقاسموا أيضا العيش والملح، وحملوا مع كل قضمة حلم وألم، ورشفوا مع كل شربة ماء أو شاى عبء وأمل. وسط ذلك كان عزازى فى فترة رئاسته لتحرير الكرامة ربان ماهر، حاول بكل ما استطاع من قوة بأسه وروعة صبره واحتماله، أن يحتوينا رغم اختلافاتنا الحادة المركبة، واندفاعات البعض منا، وهو فى الخلف يتحمل المسئولية فى وقت عصيب إداريا وماليا وسياسيا، وحين وصلت بعض الخلافات ذروتها وقمت مع بعض الزملاء بإعلان انسحابنا من العمل نتيجة إغفال الإدارة لبعض الحقوق المتراكمة، وشعورنا بعدم التقدير، غضب الدكتور من موقفنا وبادلنا عصيانا بعصيان، لكنه أبدا لم يكن قاسيا، متخذا موقف الأب المتشدد فى عقاب صغاره لكنه أبدا لا يستغرق فى الخصومة أو يستمرأها.. وها هى تمر السنوات وتظل فترة العمل معه هى الأروع والأجمل والأفضل، فيكفى أن يكون المرء منا بالقرب من رجل مثله، نختلف معه لكن لا نختلف عليه.

الصفحة الخامسة
بعد أزمة استقال على إثرها الدكتور عزازى من رئاسة تحرير الكرامة، وقع أخى محمد رحمه الله عليه فى أزمة صحية عنيفة، وظل فى غيبوبة لأكثر من شهر ونصف، لم يتوانى خلالها الدكتور عزازى رغم ما كان بيننا من خلاف حينها، فى تقديم يد المساعدة ومجهوداته التى لم تنقطع ليس للسؤال فقط بل أيضا بالاتصال بكل من يعرفهم من المسئولين لتحسين الخدمة المقدمة لمحمد فى العناية المركزة، وحين سمح لنا الأطباء بنقله لمستشفى آخر، وفر لنا الدكتور الفاضل عمرو حلمى مكانا بمستشفى محمود بعد اتصال الدكتور عزازى به، وبعد أيام تلقى أخى خلالها خدمة طبية عالية المستشفى، كان قضاء الله أكبر من محاولات إنقاذه، ربما حان وقت الشكر، لك ولصديقك الدكتور عمرو حلمى حفظه الله وفريقه الطبى، لكن المخلصين من أمثالك يا عزازى يا ابن البلد المعجون بطين البلد وطيبتها، لم تكن تنتظر جزاء أو شكرا، وأثق أنك حين تلتقى محمد فى الجنة سيشكرك بنفسه ولنفسه ولنا جميعا أنا وغيرى ممن وقفت إلى جوارهم فى ظروف عصيبة>

صفحة ليست أخيرة
كنت أظن أننى اعتدت تلقى سهام الموت المفاجئ ولم يعد عندى رصيد من الحزن على فقيد جديد، وها هى طعنة أخرى رشقت فى قلبى برحيلك، فرغم معرفتى بخطورة ودقة مرضك، وما عانيته قبل وبعد إجراء الجراحة، كنت أتمسك بجمرة أمل يطالعنى فيها وجهك بغتة سليما معافا، مثلما جئتنى فى الحلم أكثر من مرة، وكنت كعادتك تبادرنى بقبلة على رأسى.. لكن يبدو أن ذلك كان تمهيدا للوداع، الذى لم يمهلنى فيه القدر أن أقبل رأسك امتنانا وعرفانا.. وعزائى أنك الآن بصحبة الرائعين حمدى صباحى وصلاح عزازى وعماد هندى، وأعرف أنكم ستجتمعون بأبى وأخى محمد وأختى رشا، عليكم جميعا سلام من الله ومحبة من قلوب أفضتم عليها رصيدا وفيرا من ثمار نخيلكم يكفينا حتى اللقاء.


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشر فى جريدة صوت الأمة _ مارس 2014

الأحد، 9 مارس 2014

9 مارس .. هل أتاك حديث الشهيد؟




- لحظة الشهادة اختبار إنسانى للحفاظ على الكرامة

- تنتهى الأوطان بل الحياة كلها إذا غاب فرسانها وشهدائها

- الرفاعى يثأر لقائده عبدالمنعم رياض ويمتطى حصان الشهادة بعد استرداد الأرض 


كالذى أتى عليه حين من الدهر يروى لنا الشهيد كيف اصطفاه الله كآدم، عندما شكله من الطين وتركه أربعين عاما حتى نفخ فيه الروح وأسكنه الجنة، تماما كالحى عند ربه تنتظره روحه من الأبد، لا تخطئه ولا يخطئ هو مشواره حتى ساعة الشهادة.. تلك إرادة الله من فوق سبع سموات، من أول الخلق كتبت قبل 9 مارس ذكرى استشهاد البطل عبدالمنعم رياض، وستظل إلى أن تقوم الأرض بمن عليها.

وعجب من زمان هالك جرؤنا فيه أن نسأل: من هو الشهيد؟

من نسل إلى نسل بقيت ذرية آدم، ومن كرامة إلى كرامة ستظل ذرية الشهيد، فالذين يرزقهم الله ويفرحهم وينزع عنهم الخوف والحزن، هم صفوة مختارة آتين لرسالة وقيمة، يضرب بها الله الأمثال للناس ويعلمهم كيف يرفعهم عن بعض درجات، والقيمة العليا فى الإنسان هى الكرامة، لذلك مهما اختلفنا على خلفيات الأبطال وسيرهم، سنجد أن لحظة الشهادة هى اختبار للبطل فى الحفاظ على كرامته.. من الدعوة إلى الله والجهاد ضد أعداء دينه.. ومن استرداد الأرض والثأر للشرف، ومن الانتصار للعزة والكبرياء، ومن العيش والحرية والعدالة الاجتماعية، تأتينا حكايات الشهداء سيرا للأديان والأوطان وتكريما لأرقى ما خلقه الله فى الإنسان.. 

وهو ما كان يستقر فى وجدان الفريق الشهيد عبدالمنعم رياض، وعبر عنه بعد حرب 1967 بقوله: "لن نستطيع أن نحفظ شرف هذا البلد بغير معركة، وعندما أقول شرف البلد، فلا أعنى التجريد وإنما أعنى شرف كل فرد.. شرف كل رجل وكل امرأة"



لذلك يخطئ من يظن أن الاستشهاد نهاية، بل هو كما فى السماء بداية لحياة جديدة، لكنها على الأرض كحصان ينزل من عليه فارسه ليمتطيه غيره، مثلما يخبرنا محمود درويش:

لماذا تركت الحصان وحيدا؟ 

ـ لكى يؤنس البيت يا ولدى.. فالبيوت تموت إذا غاب سكانها 

وهكذا هى الأوطان، بل الحياة كلها، تنتهى إذا غاب فرسانها وشهدائها.. 

يوم الشهيد

ما خرج الشهداء إلا لإعلاء قيمة أو مطلب مشروع أو حق غائب سعوا لاسترداده، لذلك لا تكريم ولا احتفال ولا ذكرى تنفعنا، طالما بقيت الحقوق غائبة والقيم تائهة والضمائر متلونة، فتكريم الشهداء يكون بتحقيق ما استشهدوا من أجله، وهذا أكبر درس نستدعيه اليوم 9 مارس فى ذكرى استشهاد الفريق عبدالمنعم رياض رئيس أركان القوات المسلحة، القائد الذى خاض معركة كرامة من أجل استرداد أرض سيناء بعد هزيمة الجيش المصرى من اسرائيل عام 1967، والثأر لآلاف الشهداء ممن سقطوا فى المعارك أو اغتيلوا غدرا بعد وقوعهم فى الأسر.

فبعد تكليف الرئيس جمال عبد الناصر للفريق رياض بقيادة الأركان عقب الهزيمة، كانت المهمة الأولى استعادة الثقة للجيش، بدأها بعد أيام قليلة بعمليات نوعية، مثل معركة "رأس العش" حيث قامت مجموعة قتالية من قوات الصاعقة بوقف تقدم الاسرائيليين نحو بورفؤاد ومنع احتلالها، وعلى إثرها انطلقت شرارة حرب الاستنزاف التى كبدت الصهاينة خسائر جسيمة، ومنها تدمير المدمرة "إيلات" فى 12 أكتوبر 1967، وإسقاط طائرات ومهاجمة مواقع استراتيجية للعدو فى الضفة الشرقية للقناة.

بالتوازى مع تلك العمليات قام رئيس الأركان بإعادة بناء العنصر البشرى، وتدريب الجنود على فنون قتالية جديدة، بعضها كان استثنائيا، فكيف لرجل أن يقف أمام دبابة يهاجمها ويدمرها، هذا ما أحدثه الفريق رياض بتدريب جنود المدرعات والمشاه على ذلك، وتجلى ذلك فى حرب أكتوبر، عندما قنص الجنود المصريون مئات الدبابات الاسرائيلية، ومن بينهم الرقيب محمد عبدالعاطى الذى لقب بـ"صائد الدبابات"، وحصل على نجمة سيناء لتمكنه من تدمير 23 دبابة.

وهكذا صنع الفريق رياض أسطورته، عبر رحلة كفاح طويلة اتبع فيها منهجا علميا ليس فى تحصيل العلوم العسكرية فحسب، بل أيضا فى بناء ذاته وتعظيم قدراته الشخصية والقتالية، التى جعلته صاحب فلسفة استقت من منابعها الأكاديميات العسكرية داخل وخارج مصر، وتقلد على إثرها مناصب وأوسمة عديدة، قال هو عنها: لا أصدق أن القادة يولدون، إن الذى يولد قائدا هو فلتة من الفلتات التى لا يقاس عليها كخالد بن الوليد مثلا، ولكن العسكريون يصنعون، يصنعهم العلم والتجربة والفرصة والثقة. إن ما نحتاج إليه هو بناء القادة وصنعهم، والقائد الذى يقود هو الذى يملك القدرة على إصدار القرار فى الوقت المناسب وليس مجرد القائد الذى يملك سلطة إصدار القرار".

وفى الوقت المحدد جاء القرار كما يخبرنا اللواء حسام سويلم أحد شهود العيان فى استشهاد الفريق رياض، الذى واصل بناء الخطط وتصعيد العمليات فى حرب الاستنزاف، ووضع القواعد الأولية لتدمير خط بارليف التى طورت فيما بعد بالخطة "بدر" فى حرب أكتوبر، وبالفعل نجحت هذه الخطوات فى تحويله من خط دفاع إلى منطقة اشتباكات، وصلت ذروتها يوم 8 مارس 1969، حين أشرف رئيس الأركان على عمليات ضرب المدفعية الاسرائيلية بشراسة على خط بارليف، وأوقع بها خسائر جسيمة، وصلت بحسب التقديرات إلى تدمير مايقرب من 60% من القدرات القتالية لقوات العدو فى تلك المنطقة.

وفى صبيحة اليوم التالى جاء النداء ويقرر القائد أن يكون وسط جنوده على جبهة القتال، وبحسب اللواء سويلم الذى كان فى ذلك اليوم فى وحدته التابعة لسلاح المدفعية بمستشفى هيئة قناة السويس بالاسماعيلية، اختار الفريق رياض المعبر 6 بموقع لسان التمساح الذى شهد أشرس المعارك فى اليوم السابق، وهبط بطائرته الهليكوبتر هناك، وهو ما استرعى انتباه الجنود الاسرائيليين، وشعروا أنه ربما تجهيزا لعمليات مصرية جديدة، فبادروا بضرب الموقع بقذائف الهاون التى أصابت إحداها الدشمة التى احتمى بها الفريق رياض، فيما أسماها العدو فيما بعد "الضربة الذهبية" وتمت إصابته ونقل إلى مستشفى الهيئة، وكان قضاء الله أكبر من محاولات إنقاذه.


الشهادة اختيار

بعد أن ترجل الفارس، كانت هذه الواقعة بداية لمعركة كرامة جديدة، وامتطى جواده بطل شجاع، ليس للثأر من الصهاينة الذين قضوا على قائد المعركة وسط جنوده، وهى هزة عنيفة لجيش لازال يعيد بناء نفسه وتطوير قدراته، لكن الهدف كان أكبر، فأفضل وسيلة للانتقام كانت بالنسبة لرجال رياض فى بلوغ أهدافه وتكملة مشواره وتحقيق ما استشهد من أجله..

يقول اللواء حسام سويلم جاء الرد على استشهاد الفريق رياض سريعا وتحديدا فى اليوم التالى حين قام العقيد أركان ابراهيم الرفاعى قائد "المجموعة 39" صاعقة، بعبور بحيرة التمساح والوصول إلى الموقع الذى انطلقت منه القذائف نحو الفريق رياض، ودمره مع رجاله بالكامل وأبادوا كل من فيه من جنود العدو، وكانت وحدة اللواء سويلم فى هذه العملية مكلفة بتأمين رجوع أفرادها، وعادوا جميعا سالمين. وتوالت ضربات الرفاعى الذى استشهد فى معرك ثغرة "الدفرسوار" عقب انتصار أكتوبر 1937، بعد أن ثأر لقائده بتحقيق ما أراده وتم استرداد أرض سيناء من المغتصب الصهيونى.

هكذا هى رحلات الشهداء، عبور من هدف إلى آخر لتكتمل الرسالة، والرسالة الآن فى 2014 كما يراها اللواء سويلم، هى حرب كرامة جديدة ضد من أرادوا تفتيت هذا الوطن، وتغيير هويته والتفريط فى تضحيات أبنائه عبر تاريخه الطويل، مشيرا إلى أن مصر تواجه حربا من جماعة الإخوان وأعوانها، وأن الانتصار فيها لن يأتى إلا بتعميق قيم الانتماء والفداء من أجل الحفاظ على وحدة الوطن وتماسكه.

فى ذات السياق جاءت كلمات اللواء طلعت مسلم مؤكدا أن الاحتفال بيوم الشهيد لا يكون عن طريق الأغانى والبرامج الوثائقية التى تحكى واقعة وتسرد تفاصيلها وحسب، لكن الأمر يحتاج إلى استعادة قيم الشهادة ودلالاتها، من حب الوطن والتعاون والعمل المشترك، فالشهادة ليست هدفا لذاتها، بل هى قيمة اجتماعية وانسانية جعلت أصحابها يضحون بأنفسهم، وعلينا أن نمسك بجمرة تحقيقها، ويخضع للمحاسبة والعقاب كل من يقف عثرة أمام ذلك. 

ويضيف مسلم أن الاهتمام بأسر الشهداء هو أبلغ تكريم لهم، ولا يكون ذلك بالتعويضات المالية، بل الأمر يحتاج إلى آليات أكبر بتعظيم دور الرعاية الشعبية، من خلال مؤسسات أهلية تكون على تواصل حقيقى بأبناء وآباء وأمهات وزوجات الشهداء، ويشاركوهم فى أنشطة اجتماعية وثقافية، وجولات شعبية يتم فيها بالتعريف بمآثر التضحيات التى قدمها هؤلاء الشهداء، ويمكن البدء بجماعات صغيرة فى كل قرية أو مدينة أو حى به شهيد، وأشار أيضا أن هذه الخطوات من شأنها إبراز أسماء لا حصر لها من قوائم الشهداء الذين قدموا أرواحهم فداء للوطن ولا يعرف عنهم أحدا شيئا.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشر فى جريدة التحريرمارس 2014

الجمعة، 17 يناير 2014

شادية


سيدتى:
اليوم على غير موعد ودون مناسبة أرى وجهك الذى طالما أطل من زمن الحب، وجاد على منذ صباى بالبهجة رغم حزنه الدفين، تواريت عن العيون لتختبئ وراء ستار الزمن، لكنك كنت أكبر من الذكرى فى القلوب، وها أنا حين أمارس لعبتى بالهروب بين الأزمنة أجدك تجلسين على صخرة العشق التى ناديت فيها حبيبك، لتصبح مناجاتك بين المحبين دليلا.

أود برسالتى التى ربما لن تقرأيها أن أحكى لك عن تلك الصغيرة التى كان لهوها فى حارات وشوارع حى عابدين، وكم كانت سعادتها حين أشار لها أحدهم أن شادية ولدت هنا، وكأنى لمست القمر، هنا مرت الدلوعة وعاشت مثلى فى نفس المكان أيام لهوها وصباها، وتحت تلك الشمس رسمت أحلامها، فرحت أكتبك فى يومياتى وألصق صورك على جدران البيت وأتطلع فى ملامح وجهك الأسر للأنثى التى أحلم أن أكون على شاكلتها، بين الشقاوة والخجل كنت تجلسين على خارطتى، تمنحينى بصوتك الغد، وعلى حدود جسدك الرهيف أرى الدنيا التى أشتهيها.


تمر السنوات كالسيوف تقطع بين حال وحال، لكنك كنت دائما على عهدى بك تداعبين الفرح من وراء الألم لترسمين صورة النجمة التى أشرقت فى سماء الفن لحنا يعزف الجميع على أوتاره بكل المقامات، من المرأة المجهولة إلى زقاق المدق لم تزرعى الشوك، وبين اللص والكلاب كنت النور الذى اهتدى إليه الغريب، وفى الحب الذى عرفتيه أغلى من الحياة لم تسألى: من أنت؟
فاسمحى لى أن أجتهد بالإجابة، أنت الغزال الذى أتى النبع فارتشف منك العذوبة، واغتسل من دمعك الشوق ليرفرف النخيل..


سيدتى:

وأنت هناك تجلسين بين ضحكة وبكاء تغرسين فى كل صورك جزء من ذكرياتنا، وإن غابت كلماتنا عنك فلأننا أبناء النسيان، لكنك عصية على الغياب، فلكل امرأة نصيب من قلبها، وأنت حملت بين صدرك قلب الأم التى لم تكونيها، فاغفرى هفواتنا وعبثنا بالليالى التى كنت فيها القمر..

ومن هنا رغم احتمالات الزمن ستظلين فى عينى على نفس الصورة التى تفترشين فيها شاطئ البحر والرمل يذوب من لمسة قدميك والشمس تنتظرك حتى يرتوى منك الموج الظمآن، ويقبل جسدك المنذور للأنثى التى عشقتها المعانى وتبعثر الجمال على وجهها خجلا مما تحمله روحها النضرة.

زينب حسن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
   نشر فى جريدة الكرامة -  8/8/2009

الجمعة، 3 يناير 2014

الحياة لونها فضى





لا أعرف من أين تأتى بكل هذا السحر الذى يخطفنى إلى فضائك أجاور نجومك واستظل بسمائك وأشرب نداك لأصير بما تعكسه شمسك قمرا .

الحزن سفينتى فى بحر هادر لا يرحم لكن مرساتك دائما تمنحنى النجاة..

فها هو نداؤك يحملنى من جديد إلى تلك البقعة التى تتجمع فيها أكوام قش القمح هرما انبسطت قمته فافترشناها معا محلقين بعيدا عن ظلام الليل ننهل من أشعة البدر الفضى ونجومه المتلألأة علامات لطريق طالما حلمنا به.. نسير فيه ونرمى ورائنا أطلالنا حجرا حجرا .. ألما ألما .. ونغتسل بدموع الفرح بأن لنا عالمنا كما نحب أن يكون..

ولا تنسى أن تحمل لى معك موسيقاك وأشعارك وكل كلماتك وهمساتك وأحلامك ونداءاتك ونظراتك حتى تروى القمر والنجوم حولنا وحينها لن يعرفا الأفول.

وإذا كنت أمتلك شعرا وعينين وملامح تستحق أن تكتبها
فأنا أكتبك اليقين.. 
وكما العابث يشتاق لمتعة هادئة
وكما العاصى يبحث عن لحظة إيمان
وكما التائه يود ولو يرى الدليل
فأنت متعتى وإيمانى ودليلى..
فاذهب وعد
فالشط سكنك 
وما أظنه يستطيع الهروب
وإذا أفلتت منه كلمات وابتسامات وملامسة أيادى
فكلها ذرات عابرة ستجد مآواها فيما بيننا من رمال الغرام
التى لاتعد ولا تحصى..




الخميس، 26 ديسمبر 2013

أم رانيا

 
 

 لغة جسدها تصدر لكل من يقترب منها إشارات التحدى المحفور على ثنايا وجهها الخجول، الذى تداريه بنظارتها الشمسية.

فى ميدان رمسيس تبدأ يومها، بموقف سيارات الأجرة المتجهة إلى الإسكندرية، فبعد أن يمتلأ الميكروباص بالركاب، تهم أم رانيا وتأخذ جلستها على مقعد السائق.. يسود الصمت للحظات، وبعدها تنفجر التعليقات الساخرة كالطوفان على "السيدة سائق الميكروباص".. لكنها بجرأة المعتاد على الرد تسكت الألسنة بلسعات الألفاظ التى وإن تحمل بعض التجاوز، فإنها تمتزج بروح الاعتزاز بمهنتها، وكرامة العمل الصعب الذى اختارته بديلا عن سؤال الحاجة، أو مهن أخرى يمكن أن تلجأ لها سيدة فى زمن الفقر والاحتياج!

فى استراحة الطريق، يقتحم بعض الركاب جلستها مع عمال الكافيتريات الذين يرحبون بها ويأتون لها بكوب القهوة دون أن تطلبه، وإذا شعرت بقبول للحديث تبدأ بالكلام عن أمور حياتها وتسوق التبريرات التى تجعلها تندفع بشكل هجومى فى الرد على الركاب الساخرين منها.. حينها سترفع نظارتها ليظهر الوجه الذى أخفته النظارة الكبيرة طوال الطريق، ليكشف عن عجوز تعدت الخمسين على الأقل.. وبدون كلام تتساءل باندهاش عن الظروف التى تجعل مثلها يمتهن هذه المهنة الصعبة، قد تعرف خلال الرحلة أو لا تعرف أنها سيدة تجرى وراء كسب ما يكفيها لسد احتياجات بناتها الثلاث طالبات الجامعة، والتى صممت أم رانيا بعد وفاة أبيهم أن تكمل معهم مشوار الحياة، ووفاء لزوجها تريد أن يصبحن خريجات جامعة كما كان يحلم أبوهم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 نشر فى جريدة الكرامة 2011
 

الاثنين، 16 ديسمبر 2013

ميلاد على شهادة وفاة


 
 


 
 

إنه اليوم الذى انتظره محمود طويلا بعد عشرة أعوام زواج، ترددت فيها زوجته على عيادات المراكز الطبية منخفضة التكاليف، من طبيب لآخر وتحاليل وأشعات كان زوجها يتكبد عناء تكاليفها بالعمل فى أكثر من مكان أملا فى حلم الإنجاب من زوجته التى أحبها منذ الصغر، وها هو الحلم يتحقق بفضل الله الذى وضع فى رحم زوجته توأمين وتوجها معا إلى مستشفى الجلاء للولادة بعد أن جمع الرجل قيمة الولادة القيصرية ودفعها فى الحسابات ووقف بانتظار قدوم الصغيرين، وإذا بالممرضة تخبره أن الأم بحاجة إلى حقنة الـ "R.H" نظرا لاختلاف فصيلتى الدم بينه وبين زوجته، لم يكن فى جيبه سوى 250 جنيها بينما سعر الحقنة 300 جنيه، لأول مرة فى حياته يبكى متوسلا للموظفين والممرضات في المستشفى، من أجل إعطاء زوجته الحقنة ويترك بطاقته لحين سداد باقى قيمتها، لكن لا حياة لمن تنادى..

انهمرت دموعه من فرط ذل الموقف الذى استنجد فيه بأحد الأطباء ليستجيب لطلبه، ووصل به الأمر أن قبل حذاءه، فإذا بالطبيب يرد ببرود: "دى حاجة تخص المستشفى، وليس لى دخل بها".

 المأساة كانت أكبر من ذلك.. اتصل بأخيه لجلب باقى المبلغ وانتهت المشكلة، لكن يبدو أن حالة التوأم جعلتهما بحاجة إلى وضعهما في الحضانة، ولأن المستشفى ليس بها واحدة فارغة، فهو مجبر أن يحجز لهما فى مستشفى آخر، بإيجار يومى 200 جنيها! وقف محمود فى حالة ذهول بعد أن انقلبت فرحته على هذا النحو من الحزن والغم، ولم يجد سبيلا سوى العودة للبيت محاولا بيع أى شئ فيه بعد أن أغلقت كل أبواب الرحمة فى وجهه..
 

الاثنين، 9 ديسمبر 2013

مريم وعبير



 

تقاسما منذ الصغر ميراث المحبة التى جمعت أسرتيهما.. تجاورت أحلامهما كما تجاور منزلهما بقرية التمساحية بمحافظة أسيوط، تلازما طوال يومهما حتى عندما تذهب مريم للكنيسة يوم الأحد تذهب عبير معها وتجلس فى مقعد خلفى حتى ينتهى القداس ويعودا معا للمنزل، وفى المدرسة بنيا معا قصور أمانيهما لاستكمال الدراسة ودخول كلية الطب، لكنهما تصادما بقرار أبويهما الاكتفاء بالشهادة الابتدائية، بحجة أن البنت مكانها الطبيعى هو البيت فى انتظار ابن الحلال.. تحولت الليالى الدافئة إلى جبال من الحزن على المستقبل المبتور بثقافة النظرة المتدنية للبنات فى المجتمع الصعيدى الذى لم يلحق بقطار التنمية والاهتمام لعقود عديدة.

تمر الأيام وتفتك الحسرة بقلبى ابنتى السادسة عشر ربيعا، إلى أنت تنجح مريم فى إقناع والدها بالذهاب إلى فصول الإعدادى التى تنظمها جمعية "جيزويت" بمركز المحافظة ، وعندما أرادت عبير مرافقة صديقتها لم يوافق أبوها رغم محاولات إقناعه من أفراد الأسرتين، فقررت مريم الذهاب كل يوم فى رحلة تستغرق منها حوالى الساعتين فى الذهاب والإياب، ونظرا لتفوقها ومحبة الناس لها بالجمعية طلبت منهم إدراج اسم عبير فى الفصول وتحملت هى مسئولية إعطائها الدروس يوميا دون الالتزام بالحضور إلا لأداء الامتحانات، وبالفعل لم تخالف مريم التزامها وتذهب يوميا لتحصيل الدروس لتعود رغم مشقة الطريق إلى منزل عبير محملة بروح المحبة والإصرار لصديقة عمرها ويواصلا معا رحلة النجاح والتفوق ليحصلا على الشهادة الإعدادية ونيتهما تكملة المشوار ليستعيدا معا الحلم القديم بأن يرتديا البالطو الأبيض ويخففا عن الناس آلام الأبدان بقدر ما تحملان من صحة واستقامة روحهما فى مجتمع لا تستقيم فيه أشياء كثيرة.

 

الأربعاء، 27 نوفمبر 2013

على باب الله





يجلس سيد يوميا فى ميدان باب الخلق أمام مديرية أمن القاهرة وسط زملائه من عمال التراحيل حيث يضع كل منهم أدواته التى يستعملها فى أعمال البناء فى انتظار أن يأتى أحد الزبائن ممن يجهز بيته بالدهان أو تركيب السيراميك أو حمل مخلفات هدم أو غير ذلك مما يضمن له رزق اليوم الذى ربما يأتى أو لا فالأمر بيد الله..

وبينما يتجاذب زملائه أطراف الحديث يشرد بذهنه إلى ذلك اليوم الذى جلس فيه على نفس الحال مع مجموعة أخرى من أبناء قريته بالقليوبية فى إحدى أحياء مدينة جدة السعودية حين سافروا بتأشيرات عمرة دفعوا رسومها بالسلف والدين على أمل أن يتمكنوا هناك من العمل والحصول على إقامة رسمية، فتظهر أمامهم سيارتان فارهتان من طراز الدفع الرباعى بهما شابان سعوديان وطلبا من بعضهم الركوب للعمل فى أعمال بناء لعمارات شاهقة على أطراف المدينة، وعندما تزاحم العمال دعوهم يركبوا جميعا، وظلوا لمدة ساعة محشورين فى السياريتين غير مكترثين سوى بالمال القادم من هذه المقاولة التى من المؤكد سوف تغير حياتهم جميعا.. وفى مكان صحراوى مترامى الاتساع طلبا الشابان من العمال النزول، وما إن بدأ العمال فى تأمل الموقع الخالى تماما سوى من تلال الرمال وحرارة الشمس الحارقة فى هذا الوقت من نهار أغسطس، قفز الشابان بسرعة البرق إلى مقعدى القيادة وفرا بالسياريتين وهما يضحكان ساخرين من العمال ملوحين بأيديهم، وقال أحدهم عن بعد: "عيشوا شباب الله يوفقكم فى العمل الجديد"، سيد وزملاؤه وقفوا صامتين يتبادل بعضهم البعض نظرات القهر وآيات الذل التى أوقعتهم تحت رحمة هؤلاء العابثين وظلوا لساعات سائرين تحت هجير الشمس إلا أن تلقفتهم سيارة دورية أمنية، اتخذت معهم الإجراءات اللازمة حتى تم ترحيلهم لمصر..

الاثنين، 14 أكتوبر 2013

مواطن بدرجة مقاتل





كعنقود عنب لا ينفرط تحكى الجندية المصرية روايتها فى عشق الوطن.. تخوض معركة اليقين بأن فى الإمكان دائما الأبدع والأبدع مما كان.

أول درس نتعلمه فى الجيش الذهاب للضفة الشرقية بسيناء ووضع حفنة تراب من أرضها ومسح فمنا بها ثم نغسله بماء قناة السويس.. ويقول لنا قادتنا: فى هذه الأرض سقطت دماء كثيرة من شعبنا عبر التاريخ، وعلينا نحن حمايتها من أعدائنا وبنائها للأجيال القادمة.
هذا ما ذكره اللواء سعيد عباس قائد المنطقة الشمالية فى الاسكندرية ردا على من ينادون بسقوط حكم العسكر.. الرجل بحسه الوطنى رسم لوحة جديدة لطبيعة هذا الجيش الذى أرسى مفاهيم وتقاليد الجندية التى عرفها العالم منذ فجر الحضارات القديمة، ليستكمل لنا لوحات معارك مصر المجيدة من قادش ومجدو وحطين وعين جالوت عبر الملاحم الشعبية لثورات القاهرة ورشيد والمنصورة وثورة 19 انتهاء بوحدة اليد المدنية والعسكرية فى حرب السويس وملحمة بورسعيد ونصر أكتوبر حتى ثورتى 25 يناير و30 يونيو ليبقى دائما الجيش والشعب يدا واحدة.

مصر يا مه يا بهية يا أم طرحة وجلابية.. الزمن شاب وانتى شابة هو رايح وانتى جايه.. 

تروى لنا الأسطورة ملامح صاحبة الطرحة والجلابية مرسومة فى وجوه أبنائها المرابضين فوق الدبابات يحمل كل منهم بندقية، محميا بحب الناس، كأنه يقول أنا الشعب عارف طريقى، فهل يمكن أن يوجه فرد سلاحه فى وجه أخيه، هل يقتل نفسه.. 

وقف الجيش مع الشعب أو وقف الشعب مع الجيش.. فهل من فارق؟

الله الوطن بالأمر

شعار الجندية المصرية الذى يراه البعض من زاوية ضيقة وينفذ إلى ضلعه الأخير "الأمر" على انه رمزا للاستبداد والتحكم الأعمى ما جعلهم يتهمون رجال الجيش بأنهم بهذا الأمر ينصبون أنفسهم ألهة على جنودهم وعلى الشعب، ولكن هذا التجاهل لهذا الشعار بثالوثه المقدس ينطوى على تربص واضح وقصر نظر لهذه المؤسسة العريقة، التى خاضت معاركها كلها حروبا ضد الشر وإعلاء للحق وصدا للطامعين من الأعداء لاغتصاب البلاد وكسر إرادة العباد الأحرار من شعبنا الأبى.

ولكى لا ندور كثيرا فى دوائر الدفاع عن الجيش ليس من باب الاتهام ولكن لأن الوقائع تسرد نفسها لتؤكد لنا أن هذا الأمر فى حقيقته هو امتثالا لأمر الشعب وإرادته، وكما قال الفريق عبد الفتاح السيسى فى خطابه أن حماية إرادة الشعب وحمايتها أشرف لدى الجيش من شرف حكم مصر، كان الرجل يحمل ورائه رصيدا وافرا من الحقائق التى تشهد بصدق ما يقول، فمن كان يأمر أحمد عرابى حين وقف أمام قصر عابدين ويقول للخديوى توفيق: "لقد خلقنا الله أحرارا ولم يخلقنا تراثا أو عقارا فوالله الذى لا إله إلا هو إننا لن نورث ولن نستعبد بعد اليوم". 

ومن كان يأمر الضباط الأحرار حين قاموا بثورة ضد فساد الحكم ومقاومة الاحتلال، وهم أبناء الكادحين من الفلاحين والعمال والبسطاء، ومن كان يأمرهم حين قضوا على الإقطاع ووزعوا الأرض على الفلاحين وبنوا المصانع وخاضوا معارك ضارية من أجل استقلال قرار الوطن وبسط سيادته أمام العالم الذى لا يحترم سوى الأقوياء.

ومن أمر جمال عبد الناصر بتأميم قناة السويس من أجل بناء السد العالى كمشروع وطنى تنموى لا زلنا نحصد ثماره جيلا بعد جيل، وكيف استطاع رجال القوات المسلحة بسلاح الحق أن يديروا أكبر ممر ملاحى عالمى ويقاتلون فى ميدان جديد لا يحمل فيه السلاح ولكن تتجلى فيه مهاراتهم الفنية والاستراتيجية للحفاظ على مكتسبات الثورة ليعترف العالم كله بإرادة المصريين وإجبارهم على احترامها كقوة لا يستهان بها.

ومن أمر أنور السادات بخوض حرب تحرير سيناء، بعد أن عزم الشعب على استعادة كرامته وحرية أرضه بعد استنزاف طاقات العدو فى معارك نوعية أبهرت العالم، وكسرت لديه أسطورة الجيش الصهيونى الذى لايقهر.

هذا الرصيد الذى جعل الجندية شرف كبير والتزام بقيم الوطنية وإعلاء للحق لوجه الله والوطن وأمر الشعب وإرادته، لذلك لم تكن المؤسسة العسكرية طوال تاريخها منفصلة عن قضايا الناس، ومع اضطلاعها بمهمتها الرئيسية بحماية الحدود ضد الأخطار بحمل السلاح واستعدادها للقتال والتضحية بالأرواح حفاظا على أرض الوطن، انخرطت أيضا فى ميدان التنمية والبناء بإقامة صروح قوية أسهمت فى تقوية الاقتصاد المصرى، كالمصانع الحربية والهيئة العربية للتصنيع التى فتحت خطوط إنتاج ليس للمعدات الحربية وحسب، بل أيضا للأجهزة الكهربائية والتكنولوجية التى دخلت كل بيت وشكلت نقلة حضارية ونوعية فى حياة المجتمع المصرى، فضلا عن بناء العديد من المستشفيات والمدن السكنية وقطاع الخدمات الذى يدير شبكة واسعة من محطات الوقود وإدارات الطرق وتشييد الكبارى، وقطاع إدارة الأزمات الذى يهب دائما لمساعدة الأجهزة التنفيذية فى حالات الطوارئ وكلنا نتذكر ما قام به الجيش أثناء زلزال عام 1992.




الفجر لمن صلاه

فى مشاهد التدريب العسكرى صف جند مطلوب منهم المشى لمسافة 600 كيلو متر دون انقطاع، أى يومين كاملين مقيدون بالوقت ودرجة الكتيبة مرهونة بوصولهم فى الميعاد، يسيرون بالخطوة العسكرية، تتعب الأبدان تجوع البطون وتجف الحلوق، من شمس لليل لرياح من فجر لظهر ومغرب لا يهم، الهدف واضح والعين على الطريق والقلوب معلقة بلحظة الوصول، يقف بعضهم صفا، يحمل كل منهم كف صاحبه على ظهره ومن بعده الآخرون بنفس الطريقة، الأول يأخذ مشيته بخطوة ثابتة فيتبعه أصحابه، حتى يستقيم السير، يظل الأول مستيقظا ويرمى الآخرون رؤوسهم على أيديهم ويروحون فى النوم لكنهم لا يفقدون خطوة سيرهم، نعم يمشون وهم نائمون من التعب، وتستمر المسيرة حتى يقف الأول بعد عدة ساعات، ويرجع إلى آخر الصف، فيستيقظ من كان بعده، ويبدأ السير بنفس الخطوة حتى يثبتها مع أصحابه، ويروحون هم فى النوم وهكذا حتى يلمحون من بعيد نقطة الوصول فيجرون أرجلهم كالجبال من شدة التعب والجوع والعطش لكنهم لا يتوقفون يسقط بعضهم فيزحفون حتى يبلغون المكان المحدد حيث ينتظرهم قائدهم بنظرة فخر أن أبنائه وصلوا فى الموعد، بقى من المجموعة أحد الجنود لا يستطيع الزحف ولم يعد أمامه سوى أمتار قليلة عينيه مملوءة بالدموع، يطلب من زملائه رمى أى شئ معه فى نقطة الوصول حتى يأخذ درجته فى التقييم، لايجد معه شئ سوى سلاحه، فيطالبه زميل برمى السلاح، فينظر له ويرفض التخلى عن سلاحه مهما كلفه الأمر، حينها يهم قائده مع أحد الجنود بحمله، ويقول له لقد أخذت الدرجة كاملة لأنك لم تتخل عن سلاحك فيدخل الجندى فى نوبة بكاء من الفرح، حينها يفرد القائد ذراعيه وهو يقف وسطهم، ويصرخ هؤلاء جند مصر عاش وحوش الشعب.

أرباب السيف والإبداع

من ميدان الحرب إلى ميدان الإبداع ترمى المؤسسة العسكرية بظلالها على وجوه كثيرة كان لها تأثير عميق فى حياتنا لتظهر لنا وجها مغايرا للعقيدة القتالية، من خلال قواها الناعمة التى فجرت طاقات الإبداع فى أبنائها وكل من ارتبط بها من قريب أو بعيد.. وهى ظاهرة جديرة بالتأمل تجعلنا نتسائل عن الفارق بين القوات المسلحة وتلك الحركات - سياسية كانت أو غيرها- التى تدعى قدرتها على التنظيم والحشد والتعبئة لأفكارها ومعتقداتها، وكيف أنها افتقرت على مدار تاريخها بأن تقدم للمجتمع أى طاقة ابداعية أو حتى أسماء يمكن أن يشار إليها فى مجالات الأدب أو الموسيقى أو الرياضة أو حتى فى مجال العلوم والاقتصاد. 

على الجانب الآخر كان الجيش مؤسسة لا تقتصر على فنون القتال ومهارات الحرب ولها فى هذه الساحة أسماء يشار لهم بالبنان فى العلوم العسكرية واستراتيجيات الحرب الذين تدرس مؤلفاتهم فى مختلف الأكاديميات ومن هؤلاء الفريق سعد الدين الشاذلى والفريق عبدالمنعم رياض واللواء أحمد حمدى، فضلا عن مهارات أخرى عمرت بها كليات الجيش المتعددة، فعرفنا الضابط المهندس والضابط الطبيب والضابط الباحث، ورغم أنها قطاعات تخدم المؤسسة فى فترات الحرب إلى أنها قامت بمشروعات تنموية أسهمت فى دفع مسيرة الاقتصاد والتجارة والخدمات وتحسين البنية التحتية وتعظيم الموارد الصناعية والقدرات البشرية من خلال مراكز التدريب التابعة لها وإلحاق المجندين ببرامجها.

المثير أن امتداد تأثير هذه المؤسسة تجلى فى رموز ناصعة بمجالات الإبداع المختلفة، بدءا من اللواء الشاعر محمود سامى البارودى الملقب بـ"رب السيف والقلم" الذى ارتبط اسمه بالثورة العرابية وتولى وزارة الحربية ومن بعدها رئاسة الوزراء، ولم تمنعه تلك المهام بأن يحفر له مكانا كأحد رواد التجديد فى الشعر العربى. ويبرز اسم محمد عبد القادر حاتم خريج الكلية الحربية الملكية الذى أنشأ أول وكالة أنباء في العالم العربى هى وكالة أنباء الشرق الأوسط. وعين وزير دولة لشئون الإذاعة والإعلام العربى عام 1958، ثم شغل منصب وزير الثقافة والإرشاد القومى من عام 1960 إلى 1965 وله مؤلفات قيمة فى مجال الإعلام.

وعلى نفس الطريق برز اسم ضابط أركان حرب ثروت عكاشة الذى تولى وزارة الثقافة فى فترة حكم عبد الناصر، وذاع صيته كقيمة عالمية فى مجال الفنون والثقافة من خلال مؤلفات عديدة، وتصديه لمشروعات حماية التراث العالمى فى العديد من دول العالم، من واقع خططه الناجحة التى حافظ بها على آثار النوبة ومعابد أبو سمبل وفيلة فى جنوب مصر، ونال جوائز وأوسمة دولية عديدة.

ويأتى يوسف السباعى ليضيف بعدا لصورة الضابط الوزير الذى برع فى فنون العسكرية حتى أصبح أستاذا فى الكلية الحربية، بنفس البراعة التى جعلت رواياته الأكثر توزيعا وتحولت إلى أفلام شهيرة من بينها "إنى راحلة- رد قلبى- بين الأطلال- نحن لا نزرع الشوك - أرض النفاق - والسقا مات" وكرجل دولة استطاع أن ينقل وزارة الثقافة من سطوة النخبة إلى البسطاء فى الشوارع والحارات والقرى ضمن رؤيته التى عبر عنها من خلال الثقافة الجماهيرية. 

وتتوالى الأسماء التى تضع لنا صورة ذهنية واضحة عن طبيعة الجندى المصرى ابن الفلاح والعامل وتربيته العسكرية التى تعكس عجين ملح الأرض الطيبة، ممزوجة بروح المسئولية والالتزام فيكون النجاح حليفها فى كل المواقع التى تتاح لها فى أى مجال، ونذكر هنا أسماء لامعة منها جمال حماد وأحمد حمروش كأبرز مؤرخى المرحلة الناصرية، والعقيد محمد على فرج الذى تخصص فى الكتابة عن سير أبطال العسكرية العربية والإسلامية، ومن أهم مؤلفاته "خالد بن الوليد - والمثنى بن حارثة".

وفى مجال الرياضة لا يمكن إغفال أسماء الضباط، محمود الجوهرى ـ حمادة إمام - محمود بكر - وابراهيم الجوينى.. وفى الفن يبرز أحمد مظهر الذى أكمل مسيرته من ضابط فى سلاح الفرسان لينفرد وحده بلقب فارس السينما العربية.



مدنيون جنود 

هناك أسماء امتزجت بروح العسكرية وإن لم ترتد زيها، لتؤكد لنا من جديد ارتباط الجيش بالشعب كوحدة وطنية لا تستقيم حياة المصريين بدونها، فها هو الأديب جمال الغيطانى الذى عمل كمراسل عسكرى أثناء حرب أكتوبر، وكانت لتلك الفترة تأثير كبير فى حياته صورها فى سيرته الذاتية (التجليات)، وكتابه الشهير عن سيرة العقيد الشهيد ابراهيم الرفاعى قائد المجموعة 39 صاعقة التى قامت ببطولات فذة ضد العدو الصهيونى، ورائعته "حكايات الغريب" التى تحولت إلى فيلم سينمائى متميز.

ولا يفوتنا اسم الراحل صالح مرسى الذى أبدع للأدب والدراما حكايات خالدة تروى لنا بطولات رجال المخابرات فى أعماله (رأفت الهجان- دموع فى عيون وقحة – الحفار- الصعود إلى الهاوية ). 

ثم يأتى الفنان التشكيلى أحمد نوار الذى قضى عمره دائرا فى فلك فترة تجنيده وسجلها فى معظم أعماله الفنية، وكيف حول ريشته الفنية إلى بندقية بعد أن التحق بسلاح القناصة أثناء حرب الاستنزاف واستطاع قنص 15 صهيونيا فى عمليات بطولية سجلت فى صفحات الجيش المصرى ونال عن ذلك أوسمة البطولة العسكرية الفذة. وفى ذات السياق نتذكر المجند محمد عبد العاطى صائد الدبابات الذى دمر بمفرده 23 دبابة اسرائيلية فى حرب أكتوبر، ويسجل بطولاته فى الموسوعات العالمية، وهو من القلائل من غير خريجى كليات القوات المسلحة الذى نال نجمة سيناء.

الأسماء لم ولن تنتهى فى هذه الملحمة الدائمة بين الشعب وجيشه، فقد تنتهى الكتابة لكنها تتوقف وهى تختم باسم الدكتور خليل حسن خليل الذى تروى حياته سيرة شعب هذا الفلاح الذى تطوع فى الجيش خلاصا من قهر وظلم سادته من الباشاوات والإقطاعيين وهو حاصل على الابتدائية، ثم شجعه الفريق عبد المحسن مرتجى الذى كان يخدم تحت إمرته حتى حصل على ليسانس الحقوق وتخصص فى الاقتصاد وترك الجيش وهو ضابط احتياط لكى يحضر الماجستير والدكتوراة فى لندن.. جسد سيرته فى رواية تحولت لمسلسل "الوسية" لتحكى لنا عن جيش قال كلمته فى الوقت المناسب ونقل شعبه من وطأة الوسية إلى نسيم الحرية..

وتستمر الحكاية ولكل زمن سيناريو ...........


الخميس، 19 سبتمبر 2013

حبيبتى .. من تكون؟





"لا تكتبينى".. هكذا همست، ظللت تقاوم وأبيت أن أنصاع لها.. فمن حقى أن أكتب وعليها أن تسمع.. وإذا كانت جمرة فسأقبض عليها.. لا لأكتوى بها، بل لأطفئ صرخة كتمتها هى، وسارت فى روحى كبركان ثائر.

سأكتبك كما اعتدت أن أفعل، ولن تتعبنى الشوارع التى شوهتها أيادى الضياع، وعبثت بالملائكة الصغار ليسكنهم شيطان غادر، قضى على براءتهم وصاروا قتلة!

سأكتبك بوجوه الطيبين المكسوة بغلظة صنعتها أيام عيش ضنين.. سأكتبك بالبيوت الصامتة المسكونة بالخوف، وأبدا لن يجعلوك جثة هامدة بين جثث أطفال الشوارع الملقاة فى الطرقات والكهوف النتنة.

اقس كما تريدين، وسألتزم حبك وأسعى لرضاك، رغم بخل عطائك.. سأظل جديرة بك وستظلىن أنت صابرة علىّ.. وإن كانت ثمرة أيامك الموت فأنت الساق والجذر والأرض الطيبة، ويكفينى منك ذات لا تعرف الثورات الخائبة والأحلام الوهمية.

دعينى أذوب فيكى لأعرف من أنا.. أبدا لن تكونى مهزومة فى بئر الكرامة المنهوب والطفولة المشردة، والأموال القذرة، وأطنان القمامة فى الطرقات.

هكذا يريدونك.. لكن طوق نجاتك فى وجعك، فدعينى أضغط على الجرح واصرخى لنسمعها كلنا، حتى يلتصق القريب، ويدنو البعيد.. نجيب عن الأسئلة العصية.. ونفيق من نوم الأحزان.. ونلقى بأثقال الزمن المهزوم.. وإن كنت المحال، فدعينى أغامر كالعنقاء لنصنع الأسطورة.

من الظلم والفقر والجوع والأوجاع الدفينة والمعلنة سنشق فيضا جارفا يصحح الموازين المختلة.

كنت ولاتزالىن وستظلى أنشودتى فى الحب والعدل والحرية، فتعالى نعبر معا جدران الجسد المفتوح، لنكشف عن موطن العطر ونحيى الورود الذابلة العطشى، ونزيح الستار ليظهر النور.

ومرحى.. مرحى بالفراشات.. حتى إن جاءت لرشف العطر وإخماد نيرانك، فلن تخدعنا الألوان الزاهية عن رؤية الزيف فيهم.. وسنقتص من الخونة والظالمين والفاسدين. 

ستعبرين.. ثقى ستعبرين.

فهل لاتزالين تصرين ألا أكتبك؟!

الخميس، 15 أغسطس 2013

سيكولوجية مجتمع رابعة العدوية

 
أيها المارون بين الكلمات العابرة.. احملوا "أكفانكم" وانصرفوا
 
 

 
 لم أمسك نفسى متلبسة يوما بخطيئة الندم أو اليأس، ثقة فى الله ورحمته وحكمته فى أن ما يبتلينا به اختبار له هدف نبيل هو التقرب لذاته العلية، وكل ما علينا إعمال شئ من العقل وإدراك حقيقة كونية يقينية أننا ما خلقنا إلا لإعمار الأرض وإعلاء قيمة الحياة وعدم إهدارها بأى قول أو فعل أو نية.

لكننى لم أكن أتوقع أنه سيأتى على يوما أندم بعده أننى عشته من الأساس، وللأسف استطاع الإخوان المسلمون وأعوانهم أن يجعلون هذا اليوم أياما وليال تجرعت فيها أصنافا شتى من الألم والقسوة والمهانة الإنسانية التى تحيل قيمة الحياة التى بثها الله فى خلقه إلى مجرد أكفان نشيعها واحدا تلو الآخر، ليس بما تحمله من أجساد فحسب، بل أيضا بما تدفنه فينا من حب لتلك الحياة ومحاولة تحويلها إلى مقبرة جماعية للقيم  والمبادئ والأخلاق والوطنية.

وأندهش من هذا اللهث وراء العنف والتحريض عليه والحديث عن القتل كأننا فى منتدى ترفيهى تستحل فيه الدماء كجريان الماء، تحت مظلة الجهاد ونصرة الإسلام، وأى تفسير نفسى لتلك الظاهرة يصب فى أننا أمام حالة مرضية تتأصل فيها أعراض الخلل النفسى والسلوكى لمجموعات من الناس يحملون عداء صريحا وكاشفا للمجتمع الذى انتفض ضد فشلهم. وهى أحد صفات الشخصية غير السوية محدودة الذكاء، فهذا التجمع فى إشارة رابعة العدوية وميدان نهضة مصر ما هو إلا مصحة مفتوحة لمجموعات من المرضى تتستر بالإسلام لتعطى سلوكياتها الشاذة صفة الشرعية.

ورغم قسوة هذا التحليل الذى سنستدل عليه بدراسات وتوصيفات علمية، فإن المصريين بخفة دمهم أصبحوا يتندرون على ما يجرى، بوصف كل من يصدر سلوكا متناقضا كاذبا مزيفا وغير سوى بأنه بالتأكيد "قادم من رابعة العدوية أو إنه بحاجة للاحتجاز فيها حتى لا ينتشر مرضها بين المصريين.. شر البلية ما يضحك لكنه ضحك يشبه البكاء!
 
 

 
أسئلة مشروعة.. وإجابات مخيفة 

كم من الانتهاكات الدينية والأخلاقية والإنسانية لم تعهده مصر على حسب ما تعلمته من قبل.. فبأى قلب استطاع أحدهم أن ينظم مسيرة للأطفال وهم يرتدون الأكفان ويعلون أصواتهم بعبارات الموت والشهادة ودعوتهم لاستقبال الرصاص فى أجسادهم الصغيرة البريئة؟.. بل وصل التجرؤ بهم حد استخدام أطفال دور الأيتام وأطفال الشوارع فى المظاهرات والاعتصام برابعة العدوية وإعلانهم حركة ما يسمى "أطفال ضد الانقلاب"!!!!


ولا يعتقد البعض أن الهدف من وراء ذلك هو جذب التعاطف واستدرار المشاعر لموقفهم، أو حتى استخدام هؤلاء الصغار مع النساء كدروع بشرية، وهى أهداف معلنة، لكنها فى الحقيقة جزء من مشروعهم الجنهمى لتجريف عقول تلك الأجيال فى مراحل عمرية مبكرة وجعلهم وقود دائم لاستمرار أفكارهم.. وأجواء اعتصام رابعة بانغلاقه وعدم تواصله مع المجتمع وتلبسه شخصية الضحية وسط مجتمع الفساد والانقلاب على الشرعية والشريعة كما يدعون، يعتبر بيئة خصبة لتجنيد هؤلاء الأطفال فى صفوفهم فى وقت قياسى عما يتاح لهم بأساليبهم التنظيمية المتبعة داخل الجماعة.

 وفى السياق ذاته أى رحمة تسمح لآخرين بأحذ قرار لنقل مصابين بطلقات نارية إلى مسجد رابعة بدلا من المستشفيات لمحاولة إنقاذهم؟ وكل ما يفعلونه أمام هؤلاء الضحايا هو وقوف ما يسمون أنفسهم "أطباء رابعة" حولهم يضغطون على قلوبهم ويمررون بالونة أكسجين فى أفواه الجرحى وهم ينظرون باهتمام لكاميرات فضائيات الفتنة ويبعدون كل ما يعترض طريق العدسات حتى يقول أحدهم "البقاء لله" فيصرخ من حوله ضد القتلة السفاحين ويجعل ذلك مبررا لاستدعاء الخارج والتدخل الأجنبى لإنقاذهم، ويتكرر المشهد لتوضع الجثث فى صف ويرمون عليها صورة محمد مرسى وتلتقط الصورة للمتاجرة بها وإعلان البكائيات على الضحايا!!!!

وهنا يأتى الحديث عن حرمة الدم الذى عصمه الله، فحرمة المسلم أعظم عند الله من حرمة الكعبة ذاتها، ويقول رسولنا الكريم: "والذى نفسى بيده لقتل مؤمن أعظم عند الله من زوال الدنيا"، فبأى وجه سيقابل الإخوان وجه الله وهم يتحدثون عن الدم بهذا التهوين ويعلنون أنهم جميعا "مشروع شهيد"؟.. ونذكر هنا بموقف الحسن بن على رضى الله عنهما حين تنازل عن الخلافة لمعاوية بن ابى سفيان حقنا لدماء المسلمين ولم تغويه شهوة الانتقام ممن قتله أبيه كرم الله وجهه وكم عانى أهل البيت وتكبدوا فى ذلك رقابهم أنفسهم إحياء لقيم الله " من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا".

ولنا أن نزيد فى التساؤل: هل الشهادة غاية فى حد ذاتها أم أن الله ربطها بذاته وإعلاء دينه والدعوة له حين يأمرنا بالجهاد والاستشهاد فى سبيله وليس من أجل مكسب سياسى أو استثار بسلطة والحفاظ على جماعة أعلت عبر تاريخها أنها عقيدة وغاية فاقت ببعض الشواهد عقيدة الإسلام ذاته، حين يقول أحدهم: "اللهم أمتنى على الإخوان"، ويقولها مرشدهم فى جنازة أحد الخارجين من الجماعة داعيا: "اللهم إن صاحبنا مات على غير الإخوان فاغفر له"!!!

إن الإسلام حبب إلينا قيمة الشهادة فى سبيل الله ترغيبا فى الحياة وانتصارا لقيمها وليس سعيا للموت وإزهاق الأرواح كما يدعو تجار الدين من المتأسلمين، وذلك بالتجرد من الشهوات والمطامع الشخصية لنحب للآخرين ما نحب لأنفسنا فيشاع فى المجتمع الترابط والمحبة ليكون كالبنيان المرصوص كما يريد الله، وإلا لماذا دخل المسلمون الحروب والغزوات الأولى ليس بالتأكيد لنيل الشهادة فى ذاتها ولكن لنشر الإسلام وإعلاء كلمة الله الحق العدل، ولكن المرابطون برابعة العدوية انحرفوا عن ذلك ليرفعون الأكفان من أجل إنقاذ أنفسهم واستعادة حكمهم الذى زال بأيديهم قبل أن يطلبه معارضوهم، وبالتناقض والكذب لا يتورعون عن القتل والتعذيب لمن يخالفوهم ويمارسون صنوف الإرهاب بترويع الآمنين ونشر الفوضى وقتل الأشجار ودفن المعارضين لهم فى حديقة الأورمان، ثم يقيمون الصلوات مدعين الخشوع والتقوى!!!!!
 
 
 الإخوانية .. مرض وراثى
 
ربما يظن البعض أن مظاهر سلوكيات مجتمع رابعة العدوية تجلت فقط فى اعتصامهم بعد 30 يونيو، وأن حالة الوهم الذى صنعوه ويعايشوه حتى الآن بعودة رئيسهم المعزول ودستورهم الباطل وليدة الصدمة التى تلقوها بإزاحتهم بعد عام واحد من حكم مصر، لكن حالة التهويم والخداع والكذب وإقصاء الآخرين والتسرع فى الأداء دون دراسة سمات لصيقة بتاريخهم على مدار أكثر من ثمانين عاما، وليس مبدأ السمع والطاعة إلا تخطيط ممنهج لإخضاع أعضاء جماعتهم لأفكار التنظيم مهما بلغت التضحيات، دون سؤال أو مجادلة.

فى كتابه "سيكولوجية الجماهير" يقول جوستاف لوبون "الفرد ما ان ينخرط فى جمهور محدد حتى يتخذ سمات خاصة ما كانت موجودة فيه سابقا, أو يمكن القول أنها كانت موجودة ولكنه لم يكن يجرؤ على البوح بها او التعبير عنها بمثل هذه الصراحة و القوة... كما أن روح الفرد تخضع لتحريضات المنوم المغناطيسى او الطبيب الذى يجعل شخصا ما يغطس فى النوم فان روح الجماهير تخضع لتحريضات وإيعازات المحركين والقادة الذين يعرفون كيف يفرضون ارادتهم عليها.. وفى مثل هذه الحالة فإن محركى الجماهير يعتبرون الجمهور قطيع لا يستطيع الاستغناء عن سيده، لذا يفرضون سطوتهم على الناس لدرجة اختفاء كل شىء ما عداهم، والغريب أن الجماهير تخضع لقائدها وترهن لديه كل شىء، عقلها ومالها وجسدها، فيتصرف فيها كيفما يشاء، لدرجة استعدادها للتضحية بمصالحها الشخصية وبعائلاتها إذا لزم الأمر".


من هنا نكتشف سر حالة الاستحضار الجمعى لجماهير رابعة العدوية مسلوبة الإرادة أو كما أطلقت عليها وزارة الداخلية "المخطوفون ذهنيا"، واندفاعهم نتيجة التحريض المستمر الممزوج بالتبشير ببلوغ الجنة لارتكاب الجرائم من قتل وترويع وقطع للطرق ورمى المولوتوف وحرق السيارات واقتحام مؤسسات الدولة والمنشآت العسكرية وغيرها، يفعلون كل ذلك وهم معتقدون أنهم قاموا بواجبهم الدينى والوطنى ويقابلون من قادتهم بالاستحسان والإثابة.

نفس هذه الممارسات وصفها الإخوان حين كانوا فى موقع المسئولية وإدارة شئون البلاد بالبلطجة والخروج عن القانون ومحاولة تعطيل القائمين على حكم البلاد وإفشالهم، بل زادوا أنها مؤامرة ممنهجة لإسقاط مرسى واتهامهم بالخيانة.. هذا السلوك يوصف مرضيا بـ"الهذاء" أو "بارانويا الاضطهاد" وهى حالة ذهنية يشك فيها المريض دائما فى نوايا الآخرين ويرتاب فى دوافعهم، ويعتقد أن الناس لا يقومون بتقديم خدماتهم أو مساعداتهم إلا لغاية فى انفسهم، فتنصرف عنه الناس، عندئذ تزداد شكوكه فيهم وتقوى عنده مشاعر الحقد والغضب عليهم، فهو يرى نفسه ضحية لتآمرهم عليه. وبمرور الوقت تتحول حالته إلى هذاء اضطهادى، فيعزو ما لديه من اختراعات وهمية وما أصابها من إخفاق إلى مضطهديه وكارهى الخير، ويضخم الأمور، ويتصرف بشكل عداونى.

وعادة ما تمتزج هذه الحالة بما يعرف بـ"الشخصية العصابية" التى تتصف بنقص النضج وعدم الكفاءة وعدم تحمل الضغوط والأنانية ونقص البصيرة واضطراب العلاقات الاجتماعية، وعدم الرضا، والحساسية النفسية خاصة فى مواقف النقد والاحباط. والشخصية العصابية تؤدى بصاحبها الى سوء التوافق النفسى، مما يؤثر تأثيرا سيئاً على قدرة الشخص على ممارسة حياة طبيعية مفيدة ويعوقه عن أداء واجبه كاملاً، ويعوقه عن الإستمتاع بالحياة.
 
 
 
 
على جانب الممارسة السياسية تفردت جماعة الإخوان كتنظيم دولى على مدار تاريخها بالغباء بحسب التعريف العلمى لمصطلح "الغباء"، لتكرارها نفس الأخطاء دون مراعاة السياق الزمنى والمراحل التاريخية التى تمر بها الشعوب، وبرزت هذه الصفة بعد وصولهم سدة الحكم فتنصلوا من وعودهم ومارسوا الكذب والاقصاء والاستبداد بسرعة زمنية رهيبة دون حد أدنى من الذكاء الاجتماعى والسلوكى وضربوا بعرض الحائط مطالب الناس وتطلعاتهم مهرولين بتمكين أنفسهم وجماعتهم من مفاصل الحكم واستبعاد كل ما عداهم حتى من ينتمون إلى نفس تيارهم من المتأسلمين.

وتخبرنا التعريفات العلمية لصفة الغباء مدى اتساقها مع العقلية الإخوانية سواء قبل 30 يونيو أو بعدها، ومن أبرز مواصفات الإنسان الغبى:

- هو الإنسان معدوم الخيال.
- لا يقبل أية فكرة جديدة لمجرد أنها تختلف عما عهده من أفكار.
- لا يقبل أن يستمع إلى الرأى الآخر لمجرد أنه مختلف عن رأيه.
- لا يرى من الآخرين سوى وجوههم ولا يحاول أن يرى روحهم.
- لا يتعلم من أخطائه مهما حدث أو فعل.
- يجادل فيما لا يحتاج مجادلة ويعتقد أنك أنت الغبى ولا تعلم شيئاً.
- يظن نفسه يملك مفاتيح و أجوبة ألغاز كل شىء حتى و لو كان شيئاً لا وجود له.


إننا أمام حقائق تؤكد أن ما يتجمعون فى رابعة العدوية فى عالم افتراضى صنعوه بأنفسهم ولأنفسهم وإن ضحوا فى سبيل ذلك بمن فى الأرض ومن عليها، فما ذنب هؤلاء الغلابة من الفقراء الذين يسوقوهم للموت وهم يبحثون عن خروج آمن لقياداتهم، لقد ثبت بالبرهان أنهم جماعة خارج الزمن والتاريخ، فليحملوا أكفانهم ويتركون هذا الوطن الذى بذلت فيه تضحيات كبرى ليبقى عبر آلاف السنين معتزا بكرامته لا يقبل السمع والطاعة مهما بلغ صبره على الشدائد.. هؤلاء الإخوان ومن يتبعهم لا يمتلكون من الوعى ولا من الوطنية ما يجعلهم يحافظون عليه ولا على أهله، ففى أى صفحات التاريخ وقف بعض المصريين يكبرون ويسجدون شكرا مثلما حدث حين أعلنت منصة رابعة خبر تحرك سفن أمريكية فى البحر المتوسط باتجاه مصر ظنا أنها ستوجه ضرباتها لبلدهم.. رفعت الأقلام وجفت الصحف وسقطت الأقنعة ...........


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشر فى مجلة رؤية - ـ أغسطس 2013